سيد محمد طنطاوي
197
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قالوا : وهذا الفعل * ( سَبَّحَ ) * قد يتعدى بنفسه ، كما في قوله - تعالى - : وسَبِّحُوه بُكْرَةً وأَصِيلًا وقد يتعدى باللام كما هنا . وهي للتأكيد والتبيين أي : سبح للَّه لا لغيره . والمراد بالتسبيح هنا : تنزيه اللَّه - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله وكماله . والمعنى : نزه اللَّه - تعالى - وعظمه وخضع له ، وانقاد لمشيئته . . جميع ما في السماوات والأرض من كائنات ومخلوقات . . لا يعلمها إلا هو - سبحانه - . وقد جاء التسبيح تارة بصيغة الفعل الماضي كما في هذه السورة ، وكما في سورتي الحشر والصف ، وتارة بصيغة المضارع ، كما في سورتي الجمعة والتغابن ، وتارة بصيغة الأمر كما في سورة الأعلى ، وتارة بصيغة المصدر كما في سورة الإسراء . جاء التسبيح بهذه الصيغ المتنوعة ، للإشعار بأن تسبيح هذه المخلوقات للَّه - تعالى - شامل لجميع الأوقات والأحوال . قال - تعالى - تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ ، وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ، ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّه كانَ حَلِيماً غَفُوراً « 1 » . وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * ، والعزيز : هو الغالب على كل شيء ، إذ العزة معناها : الغلبة على الغير ، ومنه قوله تعالى - : وعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي : غلبني في الخصام . وفي أمثال - العرب : من عزّ بزّ ، أي : من غلب غيره تفوق عليه . والحكيم مأخوذ من الحكمة ، وهي وضع الأمور في مواضعها اللائقة بها . أي : وهو - سبحانه - الغالب الذي لا يغلبه شيء - الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها السليمة . ثم ذكر - سبحانه - صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال : * ( لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * . أي . له - سبحانه - وحده دون أن يشاركه مشارك ، ملك السماوات والأرض ، إذ هو - تعالى - المتصرف فيهما ، والخالق لهما ، إن شاء أبقاهما وإن شاء أزالهما . وملكه - سبحانه - للسموات والأرض ، ملك حقيقي ، لأنه لا ينازعه فيه منازع ، ولا يشاركه مشارك . . بخلاف ملك غيره لبعض متاع الدنيا ، فإنه ملك زائل مهما طال ، ومفتقر إلى من يحميه ويدافع عنه .
--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 44 .